الدستور المصري .. والتصويت عليه‏
عدد الزوار : 33835
تاريخ الإضافة : 1 صفر 1434

الدستور المصري .. والتصويت عليه

 
الحمد لله رب العالمين، إياه نعبد وإياه نستعين، لا شريك له، له الملك مقدر الخير والشر، مدبر الأمر يقضي بحق، ويفصل بعدل، والصلاة والسلام على المبلغ للحق والهادي إليه  النبي الأمي محمد بن عبدالله وعلى آله وأصحابه أما بعد ..
فإن مما لا يُختلف فيه أن الله جعل الحكم إليه، بل جعله عبادة لا تؤخذ إلا منه، ولا تُصرف إلا له، قال تعالى: {إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين} وقال: {إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} فبعد بيانه سبحانه للحكم وأنه هو الحق الذي به قوام الدين والدنيا قال تعالى: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أي لا يعلمون صلاحه ودقة إحكامه وحسن عاقبته لهم.
وقد وردتني أسئلة كثيرة حول الاستفتاء على الدستور المصري  المعروض هذه الأيام (غرة صفر ١٤٣٤ هـ - الموافق: ديسمبر ٢٠١٢ م) وقد نظرت فيه، ورأيت ما حمله من حقٍ وباطلٍ، ثم عرض الحكومة المصرية الدستور للاستفتاء بين الناس لأجل قبوله أو رفضه، والحديث حول  هذا الدستور والتصويت عليه من جهات:
أولاً : أن الدستور لو كان حقاً تاماً لا يشوبه الباطل، فمواده على نوعين:
النوع الأول: نوع قضى الله فيه: فهذا لا يحل عرض مواده أصلاً على الناس لتكون مداولةً للقبول والرفض بين المسلمين، وكأن اختيار الناس يمضيها أو يمنعها، فرأيهم الحَكَم على حكم الله، فالله يقول: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم}.
وكل صوت مخالف لما قضى الله فهو من الأهواء قال تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم} والميل لأي قولٍ يخالف حكم الله فتنة عظيمة لقوله تعالى: {واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك}.
ومن عرض حكم الله المنزّل للاختيار وهو مُتيّقن أن أكثر الناس ستأخذ به، وليس له اختيار في إلزامهم به إلا بواسطة عرضه على الناس، وذلك لضعف الحاكم، فيُريد أن يتخذ عَرْضه للاختيار جسراً وسبيلاً للإلزام به بعد ذلك فقد يُعذر في حال الضعف الشديد وخوف فوات الحق المتيقّن غلبته وتمكينه بمثل هذه الوسيلة وحدها.
ويسوغ أيضاً تمكين الحق بالإحالة إلى ما يوافق الحق الذي أنزله الله كإرجاع الناس إلى الفطرة الصحيحة غير المبدلة بقصد إقناعهم وإلزامهم بالحق، ومثل هذا إرجاع النبي صلى الله عليه وسلم اليهود إلى التوراة بقصد إقناعهم بموافقة القرآن ولزوم حكمه فيهم، مع أن الرجوع إلى التوراة والإنجيل مستقلاً والدعوة إليه مما نهى الله عنه ونبيه صلى الله عليه وسلم، ولكن لما كان الإرجاع لليهود وهم على كفر، لينزلوا على حكم الله في الرجم الموافق لما في التوراة، كما جاء في الصحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن اليهود جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم برجل منهم وامرأة قد زنيا، فقال لهم: كيف تفعلون بمن زنى منكم؟ قالوا: نحممهما ونضربهما، فقال: لا تجدون في التوراة الرجم؟ فقالوا: لا نجد فيها شيئاً. فقال لهم عبد الله بن سلام: كذبتم (فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين) فوضع مدراسها الذي يدرسها منهم كفه على آية الرجم فطفق يقرأ ما دون يده وما وراءها ولا يقرأ آية الرجم فنزع يده عن آية الرجم فقال: ما هذه؟ فلما رأوا ذلك قالوا: هي آية الرجم فأمر بهما فرجما قريبا من حيث موضع الجنائز عند المسجد فرأيت صاحبها يجنأ عليها يقيها الحجارة.
النوع الثاني: مواد مسكوت عنها لم يقض الله فيها بشيء، فهذه للحاكم وللمحكوم عرضها للاستفتاء والقبول والرفض، وللحاكم أن يتفق مع المحكوم على أن لا يُقبل من هذه المواد إلا ما اتفق أكثر الناس عليه سواءٌ سموا ذلك ديمقراطيةً أو شورى أو مصالحة، ما لم يُخالف مقصداً من مقاصد التشريع في الإسلام .
ثانياً: أن الدستور المصري الذي يُعرض اليوم للاستفتاء تضمّن مواد مناقضة للإسلام في ظاهرها، ووضع هذه المواد اختياراً بلا إكراه كفر، لأن هذا تشريع وحكم من دون الله، ومنازعة صريحة لله في حقه في الحكم بين عباده، وبهذا كفر بنو إسرائيل حيث جعلوا حكم التحليل والتحريم للأحبار والرهبان، فما أحلوه فهو حلال ولو حرمه الله، وما حرموه فهو حرام ولو أحله الله، وفيهم أنزل الله قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون}.
سمى الله فعلهم ذلك شركاً، وجعل الأحبار والرهبان أنداداً له، وذلك أن كفرهم كان في الحكم والتشريع، كما جاء في حديث عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب قال: فسمعته يقول: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} قال: قلت: يا رسول الله إنهم لم يكونوا يعبدونهم قال: (أجل! ولكن يحلون لهم ما حرم الله فيستحلونه ويحرمون عليهم ما أحل الله فيحرمونه فتلك عبادتهم لهم)
والفرق بين بني إسرائيل ومن يخالف حكم الله بحكم الأغلبية أن أولئك حكّموا الأحبار وهؤلاء حكموا أكثر الناس، والكل جعل أنداداً من دون الله، وصرف حق الله لغيره .
ثالثاً: أن الكفر دركات كما أن الإيمان درجات، فقد بين الله أن الكفر على مراتب كما في قوله تعالى: {إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم} وقال: {إنما النسي زيادة في الكفر} ولا يجوز إقرار الكفر بجميع أنواعه، ولا وصفه بالحق، لأن هذا تبديل.
وفي مصر اليوم يوضع دستور جديد، تضمنت مواده الكثيرة متناقضات من الخير والشر والحق والباطل والإيمان والكفر، وكانوا قبل ذلك على دستورٍ أشد كفراً وظلماً وحيدة عن الإسلام، ويَعترض كثيرٌ من أهل الباطل في مصر على ما تضمنه الدستور الجديد من مواد خير وحق، وهم من أصحاب الأفكار المعارضة للإسلام جملة، ويؤيدهم الغرب بنظامه العلماني، وأكثر الشرق المتحالف معه من الدول المنتسبة للإسلام، ولا تُعلم دولة تنتسب للإسلام أو للكفر أعلنت تأييدها لحكومة مصر الحديثة بدستورها الحديث، ولا رضا على توجهها في تقليل الشر والكفر وإنقاصه، وكان الأمر في التصويت على الدستور حتماً بين قبوله أو رفضه، فإذا قُبل حُكِّم شريعة لمصر مع إمكان التدرج في إصلاحه بعد ذلك، وإذا رُفض فالغالب أن لا يؤتى إلا بما هو أشد منه حيدة عن الإسلام.
والشر الذي تضمنه الدستور الجديد موجود في الدستور السابق والذي يعمل به الناس اليوم في مصر في الحكم والقضاء حتى يقطع الناس بدستورهم الجديد، وأكثر الخير الذي تضمنه الدستور الجديد مفقود من الدستور الذي يتحاكم إليه الناس اليوم، فالدستور الذي يستفتي عليه الناس اليوم لم يأت بباطل وكفر جديد، بل جاء بباطل وكفر قائم، وجاء بحق جديد، فهو لا يرفع عن الدستور الذي يُعمل به الآن حقاً، ويُحل مكانه باطلاً، وإنما يُزيل بعض الباطل القائم، ويُبدله بخير جديد، ويُبقي بعض الباطل القائم، ففرق بين من يرفع الحق أو بعضه ليضع الباطل أو بعضه، وبين من يرفع الباطل أو بعضه ليضع الحق أو بعضه، وفرقٌ بين من يؤسس للكفر بعد الإيمان وبين من يرفع كفراً من كفرٍ لعجزه عنه كله. 
 
وإذا كانت الحال على ما ذُكر فإن التصويت لعدم رفضه متأكد بشروط:
أولاً: أن يكون التصويت بنية رفض الكفر والشر الأشد الغالب وقوعه بعد رفض الدستور، لا بنية قبول ما يتضمنه من مخالفة عينية.
ثانياً: لا يكون قبول الدستور والتصويت له لازماً بعد ذلك للسكوت عن مواده المخالفه للإسلام، بل يوافق عليه مع التصريح بمواضع المخالفة فيه بالقلم واللسان وغير ذلك من أنواع البيان، ومصاحبة ذلك ما وُجد الدستور حتى لا يؤخذ إقراره وقبوله مأخذ الرضا به فيظن العامة أنه الحق الكامل، لسكوت أهل العلم عنه وقبولهم له.
ثالثاً: استمرار النصح لمن يملك التغيير بعد ذلك بتتبع مواده المخالفة، الأشد فما دونها على سبيل التدرج والدعوة إلى تصحيحها حتى لا يظن الحاكم وأعضاء الحكم من نواب ووزراء وبرلمانيين أن التصويت إقرار للدستور وإنما هو دفع لشر أعظم، حتى لا تتبدل الشريعة بالسكوت.
 
والتصويت لعدم رفض الدستور دفعاً لكفرٍ أعظم يقع في المجتمع من المقاصد الضيقة التي تُقدر بقدرها ويحكمها الإحاطة بمعرفة حالها، فالله نهى نبيه عن سب آلهة المشركين حتى لا يزدادوا كفراً فوق كفرهم لأن سب الله كفر فوق وثنيتهم قال تعالى: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم} فالكفر مراتب فإنزالهم من أعلاه إلى أدناه مع عدم تفويت الحق الذي جاء بالوحي ولزوم دعوتهم إلى الحق الكامل الذي أراده الله من مقاصد الشريعة، فمصر لم تكن على دستور إسلامي سابق، ولم يكن النظام السابق يُراعي حكم الله وحدوده، فإنزال النظام من مرتبة عليا في المخالفة لحكم الله إلى ما دونه مع لزوم التصريح بوجوه المخالفة الباقية وحكمها في الإسلام من المقاصد المرعية.
أتم الله على أهل مصر نعمته ونصره وتمكينه، والله المعين والمسدد وحده.
 
كتبه عبدالعزيز الطريفي
الجمعة ١/ صفر/ ١٤٣٤

 

إضافة تعليق
CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 56
أبو بدر الدوسري
السعودية
كتب الله أجرك على هذه الفتوى المحررة ، ونفع الأمة بعلمك ، وثبتك على الصراط المستقيم .
41
أعجبني
19
لم يعجبني
1 صفر 1434
عبدالله أبو نزار
بلاد الحرمين
جزاكم الله خير الجزاء ، وحفظكم من الفتن ماظهر منها وما بطن ، وثبتكم على الحق ، وزادكم الله علما وتوفيقا ، ونفع بعلمكم .
26
أعجبني
15
لم يعجبني
2 صفر 1434
عبد العزيز الدارقي
السعودية
أحسن الله إليك يا شيخنا ونفع الله بعلمك
25
أعجبني
14
لم يعجبني
1 صفر 1434
أبو عبد الملك
مصري
لله أبوك ،،ولا فض فوك
23
أعجبني
13
لم يعجبني
2 صفر 1434
ابو اسحاق
المانيا
بارك الله فيك يالشيخ وجزاك كل خير.اسأل المولى عزوجل ان يحفظك وينفع بك الاسلام والمسلمين ويجمعنا بك في جنان الخلد مع اشرف الخلق والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم وال بيته وصحبه ومن اهتدى بهديه وسار على نهجه الي يوم الدين .
30
أعجبني
15
لم يعجبني
2 صفر 1434
نادي القيشاوي
غزة

بارك الله فيك يا شيخ و جزاك الله خيراً,, وأسأل الله أن ينصر الحق و أهله.

27
أعجبني
14
لم يعجبني
2 صفر 1434
شمس الدين
قطر
نعم موافق لدستور جديد
6
أعجبني
23
لم يعجبني
7 صفر 1434
غالب المطيري
السعودية
جزاكم الله خيراً، ونفع بكم، آمين.
23
أعجبني
14
لم يعجبني
2 صفر 1434
abdeen
Saudia
جزاك الله خيرا شيخنا الكريم ونفعنا الله بعلمك
19
أعجبني
12
لم يعجبني
4 صفر 1434
محمد جرار
الأردن
جزاك الله خيراً شيخنا على هذا التأصيل العلمي .. ووالله لقد أفدتنا ..بارك الله فيكم
26
أعجبني
18
لم يعجبني
2 صفر 1434
نايف
السعودية
جزاك الله خيراً - تأصيل شرعي في فقه النوازل - اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان
32
أعجبني
17
لم يعجبني
2 صفر 1434
عبد الباسط
الجزائر
بارك الله في شيخنا الجليل والله نحبه في الله أسأل الله أن يبارك له في علمه
16
أعجبني
7
لم يعجبني
11 صفر 1434
احمد
مصر
احسنت
20
أعجبني
10
لم يعجبني
8 صفر 1434
محمد أبو البراء
مصر
بارك الله فيكم شيخنا ونفع بك وحفظكم ورعاكم
15
أعجبني
3
لم يعجبني
11 ربيع الأول 1434
أسماء عبدالعزيز
مصر- السعودية
ما شاء الله لا قوة إلا بالله ... هكذا يكون الفقه والفقهاء ... لله درك شيخنا الجليل نفع الله بك ... وثبتك ... وأيد بك الإسلام والمسلمين وعصمك من الفتن ما ظهر منها وما بطن وحفظك من الحاسدين ...آمين
13
أعجبني
5
لم يعجبني
21 ربيع الأول 1434
احمد سعد مزيد
الاردن
جزيت الجنة اشفيت الغليل وارحت العليل
13
أعجبني
3
لم يعجبني
29 ربيع الأول 1434
ياسر البدري
السودان
جزاك الله خيرا شيخنا الفاضل واشهد الله اني احبك في الله
12
أعجبني
3
لم يعجبني
17 جمادى الأول 1434
سلطان بن تركي
السعودية
[النقد العلمي لفتوى من أجاز التصويت للدستور المصري] الشيخ أحمد بن عمر الحازمي http://www.alhazme.net/articles.aspx...11#prettyPhoto المصدر : http://majles.alukah.net/t108972/#ixzz2ewb0TWfz
3
أعجبني
2
لم يعجبني
9 ذو القعدة 1434
سلطان بن تركي
بلاد الحرمين
النقد العلمي لفتوى من أجاز التصويت للدستور المصري. http://www.alhazme.net/articles.aspx...11#prettyPhoto
3
أعجبني
2
لم يعجبني
20 ذو القعدة 1434
سلطان بن تركي
جزيرة العرب
الدستور المصري القديم والجديد, كلاهما علماني إلحادي الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه والتابعين. وبعد: قال تعالى ( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ) (الشورى 21), وقال تعالى ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة 50) . إنّ الحكم التشريعي والكوني والجزائي لله وحده لا شريك له كما قال تعالى ( وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ), ومن اعتقد غير ذلك فهو كافر برب العالمين, وكذلك من شرَّع للناس شرعاً أحل ما حرم الله أو حرم ما أحل الله؛ فهو كذلك كافر برب العالمين, ومن أطاع في التشريع فهو مشرك بالله, قال تعالى ( اتّخَذُوَاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً من دُونِ اللّهِ ), فاليهود والنصارى أطاعوا الأحبار والرهبان في التحليل والتحريم فكانوا بذلك مشركين بالله كما في أول الآية وآخرها في قوله تعالى ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) (التوبة 31). بعد ما ذكرت من المسلمات العقائدية مختصراً, أقول – بحمد الله – : إن الدستور المصري قديمه وحديثه هو دستور علماني لا ديني إلحادي, والدليل على سبيل المثال؛ المادة الأولى والثانية والخامسة والسادسة, والثالثة والأربعين . فالمادة الأولى : تنص على ديمقراطية الدولة, ومن المعلوم أن الديمقراطية الحكم فيها للشعب وليس لله تعالى, فهم يقولون إن الحكم إلا للشعب, وأما أهل الدين والإيمان فيقولون كما قال تعالى ( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ) (يوسف 40). والمادة الثانية : تنص على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع, ويريدون بالمبادئ: الأخلاق والقيم والآداب العامة ولا يريدون الدين نفسه بشموله وعمومه توحيداً وسنة وعقيدة وشريعة وأصولاً وفروعاً، ومن المعلوم أن الدين هو المصدر الوحيد للتشريع, فلا يقال رئيسي ولا ثانوي. وفي الحقيقة أن الشريعة الإسلامية في القانون المصري العلماني ليست مصدراً رئيسياً أو ثانوياً؛ لأن هؤلاء الملاحدة المشرعين مع الله تعالى وضعوا الدستور من العرف والدساتير الأجنبية وخاصة فرنسا, والشئ الذي لم يجدوه في الدساتير الأجنبية والعرف أخذوه من الشريعة مضطرين – قاتلهم الله أنى يؤفكون – وفي المادة الخامسة : السيادة للشعب وليس لله تعالى . وفي المادة السادسة : التأكيد على حق المواطنة وعدم التفريق بسبب الدين, ومعنى ذلك المساواة بين المسلمين والكافرين, قال تعالى ( أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ), وقال تعالى (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ), وفي الحديث ( لا يقتل مؤمن بكافر ) البخاري. وفي المادة الثالثة والأربعين : حرية الإعتقاد مصونة وتكفل الدولة حرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة للأديان السماوية وذلك على النحو الذي يتضمنه القانون، وهذه المادة كما ترى تبيح الكفر وتُرغب فيه وتحميه وكذلك الردة عن الإسلام لأنها في نظر القانونيين والمفكرين العلمانيين حرية شخصية وهؤلاء المنافقون الزنادقة أحيانا يستدلون بآيات ويحرفونها عن معانيها لكي ينصروا أهواءهم؛ كاستدلالهم بقوله تعالى ( فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ ) (الكهف 29), والآية كما يراها أهل العلم الأمر فيها للتهديد وليس للتخيير والإباحة، بدليل بقية الآية ( إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا), ومثله قوله تعالى ( اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ) (فصلت 40), وكذلك في الحديث الصحيح ( إذا لم تستح فاصنع ما شئت). لقد سمعت بعضهم يستدلون بقوله تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) (البقرة 62), ويقولون إن الأديان الموجودة في الأرض الآن كالنصرانية واليهودية وكذلك الصابئة في العراق صحيحة . وهؤلاء الذين حذرنا منهم رسول الله  بقوله ( أولئك الذين سمى الله فاحذروهم ), وهم الذين يتبعون ما تشابه من القرآن والحديث ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله؛ يتبعون المتشابه ويتركون المحكم البين الواضح، يتعلقون بهذه الآية السابق ذكرها ويتركون قوله تعالى ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (آل عمران 85), وقوله تعالى ( وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ۚ ) (هود 17). وهؤلاء المذكورون في سورة البقرة هم من آمن قبل البعثة ومن أدرك البعثة المحمدية منهم فلابد أن يؤمن بمحمد  وإلا كان من أصحاب النار . ولا تبالي يا أخي بمادة أضافوها تنص على الرجوع للأدلة التي يعتمدها أهل السنة, فهذه المادة لا تنسخ المواد التي اشتملت على الكفر الأكبر, ومع ذلك لم يرض بها العلمانيون، وغير ذلك لا يجوز الجمع بين الحق والباطل, وبين الإيمان والكفر والشرك الأكبر. وكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) تدل على الكفر بالطاغوت والإيمان بالله وحده لا شريك له, (لا إله) نفي وهو كفر بالطاغوت، (إلا الله) إثبات أي إيمان بالله وحده, فلابد من التخلية قبل التحلية أي البراءة من الكفر وأهله قبل الإيمان . وما أشبه الدستور المصري بالياسق التتري الذي وضعه ملكهم جنكيزخان؛ حيث اقتبسه من ملل شتى وأشياء من عند نفسه, قال تعالى ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (المائدة 50), قال تعالى ( ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُون ) (الجاثية 18). وغلاة العلمانيين في مصر يريدون دستوراً يتضمن المزيد من الكفر وانحلال الأخلاق وإشاعة الفاحشة باسم الحرية على طريقة أمريكا وأوروبا وتركيا ولبنان وغيرها من دول الكفر والإلحاد, وهؤلاء من أمثال البرادعي وحمدين صباحي ونوال السعداوي, وسعد الدين ابراهيم صاحب مركز ابن خلدون العلماني الإلحادي, وأصحاب جريدة المصري اليوم – بل الملحد اليوم - يريدون مصرياً ملحداً بلا دين, قاتلهم الله أنى يؤفكون . وعلى هذا فيجب على المؤمن بالله ورسله أن يعتقد بطلان هذا الدستور, وأن يترك العمل به ويبغض أهله ويعاديهم ولا يتحاكم إلا إلى شريعة الله التي أنزلت على قلب محمد , قال تعالى( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) (النساء 59), وقال تعالى ( وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) (الشورى 10). ومسألة الإستفتاء من أصلها باطلة, مع كون هذا الإستفتاء من سنن المشركين وبدعة ضلالة مثل ما يسمى بالإنتخابات البدعية التي يسوى فيها بين المؤمن والكافر, وهي من سنن المشركين وفيها محاذير كثيرة, فاجتنبها أخي المسلم ولا تبالي بدستورهم ولا بالإستفتاء عليه فهذا باطل وضلال مبين . وقد ذكرت هذا الذي تقدم عملاً بقوله تعالى ( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ), وقوله تعالى ( مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ). كتبه:مدين بن إبراهيم - الزقازيق 20/1/1434هـ
11
أعجبني
1
لم يعجبني
23 ذو القعدة 1434
عبد الفتاح
المغرب
تحليل جيد بارك الله فيك وكثر الله من أمثالك يا شيخنا الجليل
4
أعجبني
2
لم يعجبني
25 ذو الحجة 1434
بلال
تونس
ففرق بين من يرفع الحق أو بعضه ليضع الباطل أو بعضه، وبين من يرفع الباطل أو بعضه ليضع الحق أو بعضه، وفرقٌ بين من يؤسس للكفر بعد الإيمان وبين من يرفع كفراً من كفرٍ لعجزه عنه كله.
5
أعجبني
2
لم يعجبني
13 صفر 1435
جمال
ليبيا
بارك الله فيك يا شيخ
4
أعجبني
1
لم يعجبني
29 شوّال 1434
facebookTwitteryoutubeAppandroid
trees